جيرار جهامي ، سميح دغيم
543
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الاقتصادي . ( أركون ، تاريخية الفكر الإسلامي ، 18 ، 27 ) . - من الملاحظات الاجتماعية أن للتاريخ دورة وتسلسلا ، فهو تارة يسجّل للأمة مآثر عظيمة ومفاخر كريمة ، وهو تارة أخرى يلقي عليها دثارها ، ليسلّمها إلى نومها العميق . فإذا ما أخذنا هذه الملاحظة بعين الاعتبار ، تحتّم علينا في حلّ مشكلاتنا الاجتماعية أن ننظر مكاننا من دورة التاريخ ، وأن ندرك أوضاعنا ، وما يعتورنا من عوامل الانحطاط وما ننطوي عليه من أسباب التقدّم . فإذا ما حدّدنا مكاننا من دورة التاريخ ، سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا . ولعلّ أعظم زيغنا وتنكّبنا عن طريق التاريخ أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا ، ولعلّ أكبر أخطاء القادة أنهم يسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية . ومن هنا تبدأ الكارثة ، ويخرج قطارنا عن طريقه حيث يسير خبط عشواء . ولا عجب ، فإن كوارث التاريخ التي تحيد بالشعب عن طريقه ليست بشاذّة . ( ابن نبي ، شروط النهضة ، 69 ، 5 ) . - لدراسة التاريخ جوانب متعدّدة ، فإذا ما تناولناه بالقياس إلى الفرد كان دراسة نفسية ، إذ يكون دراسة للإنسان من حيث كونه عاملا نفسيّا زمنيّا في بناء حضارة ، ولكن هذه الحضارة تعدّ مظهرا من مظاهر الحياة والفكر الجماعي ، ومن هذا الجانب يعتبر التاريخ دراسة اجتماعية ، إذ يكوّن دراسة لشرائط نموّ مجتمع معيّن لا يقوم نموّه على حقائق الجنس أو عوامل السياسة ، بقدر ما يخضع لخصائصه الأخلاقية والجمالية والصناعية المتوفّرة في رقعة تلك الحضارة . على أن هذا المجتمع ليس معزولا ، بل إن تطوّره مشروط ببعض الصلات الضرورية مع بقيّة المجموعة الإنسانية ، ومن هذا الجانب يصبح التاريخ ضربا من الميتافيزيقا ، إذ إن مجاله يمتدّ إلى ما وراء السببية التاريخية ، لكي يلم بالظواهر في غايتها . هذا الجانب الميتافيزيقي يضمّ الأسباب التي لا تدخل ضمن ما أطلق عليه توينبي « مجال الدراسة » لحضارة ما . ( ابن نبي ، وجهة العالم الإسلامي ، 23 ، 4 ) . - كلمة « التاريخ » ذاتها تجريد لفظي ، وإن تجسيم التاريخ وكأنه شيء أو كيان متحرّك ، ينطوي في ذاته على قدر غير قليل من التجاوز . كما ينبغي أن نتنبّه إلى أن التاريخ ، حسب تعريفه ، يتعلّق بالماضي ، وأننا حين نتحدّث عن « حركة التاريخ في المستقبل » ، على سبيل المثال ، فنحن - من الوجهة المنطقية الخالصة - نرتكب خطأين : أولهما استخدام لفظ يرتبط في ماهيته بالماضي ، للدلالة على المستقبل ، وثانيهما تجسيم المجرّدات وتشخيصها وتحريكها . ( فؤاد زكريا ، الفكر والثقافة ، 331 ، 5 ) . - إن التاريخ أضحى في فكرنا العربي معرفة منظّمة ، أو علما له قوانينه ، ومتاحة للتنظير والتفسير ، وأداة من أدوات المستقبليات ، ومجالا للنظر في الحرية وموقع الإنسان ، في الحقيقة وفي المعنى ، في الكينونة والمصير والتاريخانية . لكن حتى وإن بالغ جانب من الفكر العربي الراهن في تحميل التاريخ ،